بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحل الطيبات وحرم الخبائث ، والصلاة والسلام على خير من نهى عن كل مسكر ومفتر ، وعلى آله وصحابته الذين جاهدوا المنكرات ، حتى لا تعم وتطم في بلاد الإسلام .. أما بعد
فإن الله سبحانه خلق الناس وكرمهم ، ووهبهم العقول وميزهم ، جعلهم قادرين على تمييز المصالح ، والسعي ابتغائها ، وكذلك تمييز المفاسد واجتنابها ، أحل لهم الطيبات ، وحرم عليهم الخبائث .
يقول سبحانه في كتابه العزيز : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) وقال أيضاً : ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِوَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) .
نعم ، هذين دليلين واضحين من كتاب الله سبحانه على تحريم الخبائث بوجه العموم ، ولسنا هنا لحصر الخبائث ولا للحديث عنها بشكل عام ، فالحديث عن ذاك يطول ، لكن لنقف وقفة مع " المخدرات " ذاك الداء العضال ، الذي اجتاح المجتمعات ، وفتك بالأسر والبيوتات ، قضى على شباب الإسلام ، ودمر الأواصر والعلاقات ، ولو جمعنا كل كلمات الذم وأبيات الهجاء ، ورمينا بها هذا الداء ، ما كان ذاك إلا قليلاً في حقه .
كيف لا ، وقد يتم أبناء ، ورمل نساء ، وأثكل أمهات فلذات أكبادها ، وأضف على ذلك كثيراً من الجرائم والمنكرات ، والحوادث وكثير من أسباب الوفيات ، التي كان سببها " المخدرات " .
معاشر القراء ..
كل الصفات الرزيلة اجتمعت في " المخدرات " ، وفوق ذاك كُله فهي محرمه شرعاً بإجماع علماء الأمة الإسلامية ، وأدلة تحريمها كثيرة وردت في كتاب الله ، ودعمتها سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
ففي كتاب الله قد يقول قائل لم يُذكر في أي موضع أن " المخدرات " محرمة ، ولم تُذكر المخدرات أصلا .. ونسي أو تناسى الآيات التي ذكرتهم في بداية الموضوع والتي تبين بصريح العبارات أن الله قد أحل الطيبات وحرم الخبائث .. ومن هنا نقول له هل " المخدرات " من الطيبات أم الخبائث ؟ .. ونترك له الإجابة له..
أما في سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مصدر التشريع الثاني للمسلمين ، فهناك أحاديث صريحة بكلماتها ،تدل على تحريم المسكرات والمفترات ، فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (ما أسكر كثيره فقليله حرام ) ، وقد أعتبر النبي – صلى الله عليه وسلم – كل مسكر خمر سواء سمي بخمر أو لم يسمى بهذا الاسم فقال عليه الصلاة والسلام : (كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة ). والآيات الصريحة في تحريم الخمر كثيرة .
وقد روى أبن عمر عن أم سلمه – رضي الله عنها – أنها قالت : ( نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن كل مسكر ومفتر ). و " المخدرات " إما أن تكون مسكره أو مفترة أو جامعة بين الآمرين وكلاهما منهي عنه .
ولا ننسى أنه لا يحل للمسلم أن يأكل أو يشرب ما يضره كما لا يحل له أن يتناول ما يكون سبباً في موته فقد قال سبحانه : ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) وقال أيضاً : ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ، وقد أثبت الطب الحديث أضرار " المخدرات " ، وأنها وسيلة إلى الموت البطيء ، ولا أظن ذاك يخفى على أحد .
أخواني أخواتي كل من يقرأ هذه الكلمات ..
أعلموا أن هذه القضية ليست قضية المتعاطين فحسب ، والدور لا يقع على عاتق الدوائر والمجمعات المخصصة لمكافحة " المخدرات " فقط.
بل هذه القضية قضيتنا جميعاً فيجب علينا التكاتف للقضاء على هذا الداء الذي تفشى في بلادنا دون سابق عهد .
كما يجب على الأفراد أن يقوا أنفسهم وأهليهم شر " المخدرات " فقد قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) .
وكذلك يجب على المسئولين وأولياء الأمور أن يحفظوا رعيتهم فهم مسئولون وإلى ربهم منقلبون ، يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (كلكمراع ومسؤول عن رعيته ، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته . قال فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال : والرجل في مال أبيه راع ومسؤول عن رعيته ، فكلكمراع ، وكلكم مسؤول عن رعيته).
واعلموا أن أحد أسباب استحقاق طرد بني إسرائيل من رحمة الله هو عدم تناهيهم عن منكر فعلوه فقال سبحانه : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ( 78 ) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ، فلا تكونوا كبني إسرائيل وعليكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففي ذاك الخير والنجاة كما عليكم بالإصلاح فقد قال سبحانه : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) وتأملوا وفقكم الله أنه قال وأهلها مصلحون ولم يقل صالحون فعلينا أن نسعى بالإصلاح ولا نكتفي بصلاح أنفسنا .
هذا وإن أحسنت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان
والله الموفق لما فيه خير وصلاح للبلاد والعباد
كتبه /
سعيد بن عبدالله آل مالك
24 / يوليو / 2010 م